سيد محمد طنطاوي
58
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة اللَّه التي تستدعى استجابتهم للحق يكفرون . فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره ، من تعجب وتوبيخ وتقريع . وقوله - تعالى - : * ( ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَه ) * . أي : لا أحد أشد ظلما ممن افترى على اللَّه كذبا ، بأن زعم بأن للَّه - تعالى - شريكا ، أو كذب بالحق الذي جاءه به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بأن أعرض عنه ، وأبى أن يستمع إليه . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ) * للتقرير ، والمثوى : المكان الذي يثوى فيه الشخص ، ويقيم به ، ويستقر فيه . أي : أليس في جهنم مأوى ومكانا يستقر فيه هؤلاء الكافرون لنعم اللَّه - تعالى - ؟ بل إن فيها مكانا لاستقرارهم ، وبئس المكان ، فإنها ساءت مستقرا ومقاما . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - : * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ، وإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) * . أي : هذا الذي ذكرناه سابقا من سوء مصير ، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق ، أما الذين بذلوا جهدهم في سبيل إعلاء ديننا ، وقدموا أنفسهم وأموالهم في سبيل رضائنا وطاعتنا ، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة ، فإننا لن نتخلى عنهم ، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم ، ونجعل العاقبة الطيبة لهم ، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم ، وتلك سنتنا التي لا تتخلف ولا تتبدل . وبعد فهذا تفسير لسورة « العنكبوت » نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوي